القرطبي
4
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وهو تنبيه على الضياء ، لأنه لما قال : " سوداوان " قد يتوهم أنهما مظلمتان ، فنفى ذلك بقوله : " بينهما شرق " ويعني بكونهما سوداوان أي من كثافتهما التي بسببها حالتا بين من تحتهما وبين حرارة الشمس وشدة اللهب والله أعلم . الخامسة - صدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران فيما ذكر محمد بن إسحاق عن محمد ابن جعفر بن الزبير ، وكانوا نصارى وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ستين راكبا ، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلا ، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم : العاقب ( 1 ) أمير القوم وذو آرائهم واسمه عبد المسيح ، والسيد ثمالهم ( 2 ) وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم ، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صلاة العصر ، عليهم ثياب الحبرات ( 3 ) جبب وأردية فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ما رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة . وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشرق . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعوهم " . ثم أقاموا بها أياما يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ويزعمون أنه ابن الله ، إلى غير ذلك من أقوال شنيعة مضطربة ، ورسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية ، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة ( 4 ) ، حسب ما هو مذكور في سيرة ابن إسحاق ( 5 ) وغيره . قوله تعالى : نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ( 3 ) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات ؟ الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ( 4 )
--> ( 1 ) السيد والعاقب هما من رؤسائهم وأصحاب مراتبهم ، والعاقب يتلو السيد . ( 2 ) الثمال ( بالكسر ) . الملجأ والغياث والمطعم في الشدة . ( 3 ) الحبرات ( بكسر الحاء وفتح الباء جمع حيرة ) : ضرب من الثياب اليمانية . ( 4 ) في الأصول : الابتهال ، والصواب ما أثبت ، باهل القوم بعضهم بعضا وتباهلوا وتبهلوا : تلاعنوا . والمباهلة : أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شئ فيقولوا : لعنة الله على الظالم منا . ( 5 ) راجع سيرة ابن هشام ص 401 طبع أوروبا